ابن كثير
287
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا » « 1 » . ثم قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ كقوله عز وجل : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [ الحج : 40 ] فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال تعالى : وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ كما جاء في الحديث « من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، ثبت اللّه تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة » ثم قال تبارك وتعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين للّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وقد ثبت الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد القطيفة ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ! » « 2 » أي فلا شفاه اللّه عز وجل . وقوله سبحانه وتعالى : وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أحبطها وأبطلها ، ولهذا قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي لا يريدونه ولا يحبونه فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 10 إلى 13 ] أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ( 13 ) يقول تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا يعني المشركين باللّه المكذبين لرسوله فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم ، أي ونجى المؤمنين من بين أظهرهم ، ولهذا قال تعالى : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها . ثم قال : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد ، حين سأل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما فلم يجب وقال : أما هؤلاء فقد هلكوا ، وأجابه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال : كذبت يا عدو اللّه بل أبقى اللّه تعالى لك ما يسوؤك ، وإن الذين عددت لأحياء ، فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، أما إنكم ستجدون مثلة « 3 » لم آمر بها ، ولم تسوؤني ، ثم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 48 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد باب 8 . ( 3 ) مثل بفلان مثلا ومثلة ، بالضم : نكّل به ، ومثل بالقتيل : إذا جدع أنفه أو أذنه ، أو مذاكيره ، أو شيئا من أطراقه .